النويري
362
نهاية الأرب في فنون الأدب
أنّ أحد كبراء دولته ووزرائه كان قد بنى بناء عاليا مشرفا على جيرانه ، فلم يعارضه أحد منهم لمكانه من الخليفة ، وكان يجلس فيه فنظر يوما إلى دار من دور جيرانه ، فرأى جاربة بارعة الجمال فأولع بها ، وسأل عنها وإذا هي ابنة أحد التجار ، فخطبها « 1 » من أبيها فامتنع من زواجه - وكان من أهل اليسار ، وقال : لا أزوّج ابنتي إلا من تاجر مثلي ، فإنّه إن ظلمها قدرت على الانتصاف « 2 » منه ، وأنت إن ظلمتها لم أقدر لها على حيلة ، فأرغبه بالأموال وهو يأبى ، فلما أيس منه شكى ذلك إلى أحد خواصّه ، فقال : ألف مثقال تقوم لك بهذا الأمر ، فقال : واللَّه لو علمت أنى أنفق عليها مائة ألف دينار وأنالها لفعلت ، قال له : لا عليك تحضر لي ألف دينار ، وأمر بألف دينار فأحضرت فأخذها الرجل ، ومشى بها إلى عشرة من العدول ، وذكر لهم الأمر وسهّله عليهم ، وقال : إنّكم تحيون نفسا قد أشرفت على الهلاك ، وقال : إنّه قد بذل لها كذا وكذا من المهر وأعلى لهم ، وأبوها إنما هو عاضل لها وإلا فما يمنعه ، وقد خطبها مثل فلان في جلاله قدره ، وقد أعطاها صداقا لا يعطى إلا لبنت ملك ، ثم هو يتأبى - هل هذا إلا عضل بيّن ؟ ولكم ألف مثقال لكل منكم مائة ، وتشهدون أنّه زوجها منه على صداق مبلغه كذا وكذا ، ورفع قدر الصداق إلى غاية ، وقال : إن أباها إذا علم أنّكم قد شهدتم عليه رجع إلى هذا ، وليس فيه إلا الخير والعزّ ، فأجابوه إلى ذلك وأخذوا الذهب ، وشهدوا أن أباها زوّجها منه على صداق كبير ، فلما علم أبوها بذلك زاد نفاره ، فمشى الوزير إلى القاضي وقال : إني تزوّجت ابنة فلان على هذا الصداق وهؤلاء الشهود على أبيها ، وقد أنكر ذلك ، فأمر القاضي بإحضار أبيها فحضر ، فشهد الشهود عليه ، وأحضر
--> « 1 » ورد بعد هذه الكلمة في كمامة الزهر ص 287 : فأرسل إلى والدها خاطبا ، فقال له أبوها - وكان من أهل اليسار لست أزوجها إلا لمن هو تاجر مثلي ( بدلا من : فخطبها من أبيها فامتنع من زواجه وكان من أهل اليسار ) . « 2 » هكذا في ف ، ك وفى ص : الانتصار ، وفى كمامة الزهر ص 287 : النصفة